تأثير الرضاعة الطبيعية على صحة الأم

ربما قد سمعت يومًا عن الرضاعة الطبيعية، ولا بد أنك قد رأيت انقسام العديد من الأمهات ما بين مجموعة راغبة بالالتزام فيها؛ لأنها تدرك أهميتها وفوائدها، وما بين مجموعة أخرى لا ترى أن هنالك فرقًا بين الرضاعة الطبيعية والرضاعة الصناعية -الحليب الصناعي-، كما أن العديد من الناس يظن أن فائدة الرضاعة الطبيعية قد تقتصر على الطفل فقط، لكن أثبتت العديد من الدراسات أن فائدة عظيمة تنعكس على صحة الأم المُرضِعة أيضًا، كل هذا وأكثر سنعرضه لكم من خلال هذا المقال.

ما مُدة الرضاعة الطبيعيّة؟

إن الرضاعة الطبيعية لها العديد من الفوائد على المدى القصير والمدى البعيد، حيث أن لها لها دور أساسي في بناء جودة صحيّة لدى كل من الأم والطفل، وقد تزاحمت التساؤلات حول المدة الأمثل للرضاعة الطبيعية.. فما المدة الأمثل لها؟
بحسب دراسات عديدة يجب ألا تقل مدتها عن ستة شهور، ومن الأفضل أن تكمل لمدة عامين.

قال تعالى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}
وفي هذا التوجيه الربّاني حكمة عظيمة، حيث ذُكر في كتاب (نلسون) -أحد المراجع المشهورة في طب الأطفال- في طبعته عام 1994م: أن الأبحاث الحديثة أظهرت وجود علاقة ارتباطية قوية بين عدد ومدة الرضاعة من ثدي الأم وبين ظهور مرض السكري من النوع الأول في عدد من الدراسات التي أُجريت على الأطفال في كل من النرويج، والسويد، والدنمارك، وعلل الباحثون ذلك بأن لبن الأم يمد الطفل بحماية ضد عوامل بيئية تؤدي إلى تدمير خلايا بيتا البنكرياسية في الأطفال الذين لديهم استعداد وراثي لذلك.

ما فوائد الرضاعة الطبيعيّة لصحّة الأم؟

يطول الحديث بنا في الفوائد التي تنعكس على صحة الطفل، لكننا في هذا المقال نودّ التركيز على صحة الأم، ويندرج تحت هذا العنوان الكثير من الفوائد، نذكر منها:

-تقليل فرصة حدوث السرطان:

الرضاعة الطبيعية تقلل من فرصة حدوث السرطان خصوصًا المبيض، وبطانة الرحم، والثدي، حيث وُجد علاقة عكسية بين مدة الإرضاع وفرصة حدوث سرطان الثدي.

دعم الصحة الإنجابية:

لقد وثقت الأبحاث المكثفة -خاصةً في السنوات الأخيرة- المزايا المتنوعة للرضاعة الطبيعية للنساء المرضعات وصحتهن الإنجابية؛ إذ أظهرت النتائج التأثيرات الوقائية للرضاعة الطبيعية ضد عدد كبير من الأمراض الحادة والمزمنة في مرحلة الطفولة، والفوائد الصحية المحتملة للأمهات، مثل: تنظيم الخصوبة، وتحفيز قدرات الأبوة، والحماية من سرطان الثدي والمبيض، وفقدان العظام، ونقص التغذية، وهشاشة العظام.

تقليل فرصة حدوث اكتئاب ما بعد الولادة:

الكثير من الأمهات قد تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة، وقد تستغرب أن هناك علاقة بين الاكتئاب وقصر فترة الرضاعة الطبيعية أو التوقف عنها؛ فكلما قلّت مدة الرضاعة زادت احتمالية حدوث اكتئاب ما بعد الولادة.

تقلل من فرصة حدوث الأمراض:

بحسب ما ورد في منظمة الصحة العالمية أن للرضاعة الطبيعية فوائد قصيرة وطويلة الأمد على كلٍ من الأم والطفل، منها: أنها تقلل من فرصة حدوث العديد من الأمراض الحادة والمزمنة أيضًا، مثل: الضغط،  والسكري بنوعيه الأول والثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وفرط دهنيات الدم، وبعض أنواع السرطان.

فقدان الوزن والتقليل من السُمنة:

تشير العديد من الدراسات إلى أن الرضاعة الطبيعية لمدة ستة أشهر على الأقل مرتبطة بفقدان وزن أكبر بعد الولادة؛ مما يقلل من فرص حدوث السمنة.

تقليل فرط دهنيات الدم:

دعنا نوضح لك الأمر أكثر.. خلال ذلك سيتم تعزيز استقلاب (metabolism) البروتينات الدهنية منخفضة الكثافة جدًّا (VLDL)، وتوليد مكونات البروتين الدهني عالي الكثافة (HDL)؛ مما يؤدي إلى انخفاض أسرع في الدهون الثلاثية (Triglycerides)، هذا بالإضافة إلى أنه سيتم إفراز كميات كبيرة من الكوليسترول في الحليب؛ مما يقلل من تركيزه في مصل الأم (serum)، وفي نهاية المطاف ستعود تركيزات الدهون في المصل إلى المستويات الطبيعية بعد انتهاء الرضاعة.

الرضاعة

تقليل خطر الإصابة بمرض السّكري:

لا بد أنك سمعت يومًا عن فكرة ارتفاع مقاومة الأنسولين لدى الأم الحامل وعدم تحمُّل الجلوكوز.. في الحقيقة هذا قد يحدث أثناء الحمل كجزء من فسيولوجيا الحمل الطبيعية، وغالبًا ما تزداد مقاومة الأنسولين لدى النساء الحوامل غير البدينات بحلول الأسبوع 36 من الحمل بنسبة تصل إلى 44%.
وقد تتساءل عن أهمية هذا والغاية منها.. إن هذه الحالة تساعد في دعم توصيل العناصر الغذائية للجنين من خلال إبطاء امتصاص الجلوكوز بواسطة أنسجة الأم، وزيادة احتياطيات الدهون لديها.
وقد يتبادر لذهنك تساؤلات فيما لو كانت هذه الحالة ستؤثر سلبيًّا على الأم وعن علاقة هذا بالرضاعة!
في الحقيقة إن معظم الدراسات أظهرت انخفاضًا في خطر الإصابة بمرض السكري بين النساء الحوامل اللواتي أرضعن أطفالهن مقارنةً بأولئك اللواتي لم يرضعن أطفالهن.

تقليل النزيف وانقباض الرحم:

إن مرحلة ما بعد الولادة (postpartum) مرحلة حساسة، تبدأ خلالها رحلة عودة الرحم إلى شكله وحجمه الطبيعي، وبلا شك كلما زادت فرصة انقباض عضلات الرحم خلال تلك الفترة فإن ذلك سيساهم ذلك في تقليل فرص حدوث النزيف الذي يعد واحد من الأسباب المباشرة التي تؤدي لوفاة الأم بعد الولادة، كما أن انقباض تلك العضلات يساعد في تسريع عودة الرحم لما كان عليه قبل الحمل.

وما أثبتته الدراسات أن للرضاعة الطبيعية دور أساسي في هذا؛ إذ يحدث خلالها زيادة تحفيز وإفراز هرمون الأوكسيتوسين (Oxytocin) الذي يعمل على انقباض العضلات الملساء للثدي، كذلك زيادة انقباض وانكماش عضلات الرحم.

هل هشاشة العظام مرتبطة بالرضاعة؟

حقيقةً هناك العديد من الفرضيات المثيرة للجدل حول تأثير الرضاعة على العظام؛ خصوصًا في ظل وجود بعض الفرضيات التي تدعم فكرة أن الحمل والرضاعة تساهم في هشاشة العظام في وقت لاحق من الحياة، ولا شكّ أن ما ساهم في دعم تلك النظريات هو زيادة الطلب على الكالسيوم خلال الحمل والرضاعة، لكن في دراسةٍ ما تم البحث من خلالها في جميع قواعد البيانات ومراجعة جميع الدراسات ذات الصلة بموضوع هشاشة العظام والرضاعة والحمل، حيث أظهرت المراجعة أنه على الرغم من النتائج المثيرة للجدل فإن الحمل قد يكون له تأثير وقائي على العظام؛ خاصةً إذا تبعه الرضاعة الطبيعية.

هل هنالك علاقة بين الرضاعة وتقليل فرصة حدوث الزهايمر؟

مدة الرضاعة الطبيعية الأطول تتوافق مع انخفاض خطر الإصابة بمرض الزهايمر، وقد تم إثبات هذا من خلال دراسة جُمع من خلالها بيانات التاريخ الإنجابي، كما أجريت مقابلات تشخيصية لمجموعة من النساء البريطانيات المسنات المريضات بالزهايمر،
حيث كانت النساء اللواتي يرضعن رضاعة طبيعية أقل عرضةً للإصابة بمرض الزهايمر من النساء اللواتي لم يرضعن.

لكن في دراسةٍ ما تم البحث خلالها في جميع قواعد البيانات، وتمت مراجعة جميع الدراسات ذات الصلة بموضوع هشاشة العظام والرضاعة والحمل، حيث أظهرت المراجعة أنه على الرغم من النتائج المثيرة للجدل إلا أن الحمل قد يكون له تأثير وقائي على العظام؛ خاصةً إذا تبعه الرضاعة الطبيعية -كما أسلفنا ذكره-.

ولم تقتصر الفوائد على ذلك فحسب بل ثمّة غيرها مما يطول شرحه، وما يزال موضوع الرضاعة الطبيعية منهلًا للأبحاث العلمية التي تكشف عن وجوه فوائد جمّة وعظيمة، ويكفي أنها توجيه ربّاني حكيم؛ لتتخذها الأم منهجًا وسبيلًا في رعاية طفلها، وإفادة نفسها.

اقرأ أيضًا

  1. إليك أهم الأدوية الآمنة للحوامل

  2. تبييض الإبط بأمان | دليلك الشامل

  3. خلل الهرمونات | الأعراض والأسباب

تعليقات